الثعلبي

100

الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )

وإن كان ما ساقه لغرض مثل أن يكون قارناً أو متمتعاً جاز له أن يأكل ويطعم غيره ، فهذا معنى الاحصار وحكمه ، فأما المرض وما أشبهه فان له أن يتداوى فيما لابد منه ويفدى ثمّ يجعلها عمرة ويحج عام قابل ويهدي ، وقوله تعالى " * ( فما استيسر ) * ) أي عليه ما تيسر ، محلّه رفع ، وإن شئت جعلت بها في محل النصب أي قاهر ، واما استيسر من الهدي مثل جدية السرج وجمعها جدي قاله أبو عمرو . قال : لا أعلم في الكلام ثالثهما . وقرأ الأعرج : ( الهدي ) بكسر الدال وتشديد الياء في جميع القرآن على معنى المفعول . وروى عصمة عن عاصم : بتشديد الهدي في محل الرفع والجر وتخفيفه في حال النصب نحو قوله " * ( هدياً بالغ الكعبة ) * ) * * ( ولا الهدي ولا القلائد ) * ) وهما جميعاً ما يهدي إلى بيوت الله سمي بذلك لأنه تقرب إلى الله بمنزلة الهدية يهديها الانسان إلى غيره متقرباً بما بعث إليه . واختلفوا في تأويل قوله " * ( فما استيسر من الهدي ) * ) . فقال علي وابن عبّاس : شاة . وقال ابن عمر : فما استيسر من الهدي : الإبل والبقر ناقة دون ناقة وبقرة دون بقرة سن دون سن وأنكر أن يكون الشاة من الهدي ، وأقوى الأقوال بالصواب قول من قال إنه شاة ، لأنه أقرب إلى التيسر ، ولأن الله سمي الشاة هدياً في قوله " * ( هدياً بالغ الكعبة ) * ) وفي الظبي شاة . " * ( ولا تحلقوا رؤوسكم حتّى يبلغ الهدي محله ) * ) ، واختلفوا في المحل الذي يحل المحصر بلوغ هديه إليه فقال بعضهم : هو ذبحه أو نحره بالموضع الذي يحصر فيه سواء كان في الحل أو الحرم ومعنى محلّه : حين يحل ذبحه وأكله والانتفاع به كقوله صلى الله عليه وسلم في اللحم الذي تصدق به عليه بريرة قال : ( قربوه فقد بلغ محله ) يعني فقد بلغ محل طيبه وحلاله بالهدية الينا بعد إن كانت صدقة على بريرة : وهذا على قول من جعل الاحصار إحصار العدو . يدلّ عليه فعل النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالحديبية حتّى صدوا عن البيت ونحروا هديهم بها والحديبية ليست من الحرم . روى الزهري عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة في قصة الحديبية قال : لما كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاب القضية بينه وبين مشركي قريش عام الحديبية فقال لأصحابه : ( قوموا فانحروا واحلقوا ) قال : فوالله ما قام منهم أحد حتّى قال ذلك ثلاث مرات فلما لم يقم أحد منهم قام فدخل على أم سلمة فذكر ذلك لها ، فقالت أم سلمة : يا رسول الله أخرج ثمّ لا تكلم أحداً منهم بكلمة حتّى تنحر بدنتك وتدعو حلاقك فتحلق فخرج فلم يتكلم حتّى فعل ذلك ، فلما رأوا ذلك قاموا ونحروا وجعل بعضهم يحلق بعضاً حتّى كاد بعضهم ( يقتل ) بعضاً غماً .